facebook twetter Google+ اللغة الفرنسية

الجزائر تُهدد الأمن والسلم المغاربي..

في اليوم العالمي للأمم المتحدة الذي يُخلّد يوم 24 أكتوبر من كل سنة، انبرى للمرة الألف وزير خارجية النظام الجزائري، السيد رمتان لعمامرة، للهجوم على المغرب محملاً الأممَ المتحدة مسؤوليةَ “عدم الاستقرار” و”تهديد الأمن والسلم” في الصحراء المغربية.. وهو نفس الخطاب الذي روّج له إبّان الحملة الشرسة التي قادها خلال انعقاد الدورة 71 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي. ولا بأس أن نُذكر بأن دبلوماسية جارتنا الشرقية مُصابة بنوع من الهستريا أو الصُّراع الذهني بسبب التحركات الدبلوماسية للمغرب في إفريقيا، استعداداً لتصحيح الخطأ التاريخي الذي أقحم “جمهورية تندوف” في المنتظم الإفريقي. ويزيد من حالة “الهيجان” لدى النظام الجزائري فشله الذّريع في جعل سنة 2015 “سنة للحسم” في قضية الصحراء كما كان يزعم. ومنذ رفعت الخارجية الجزائرية ذلك الشعار سنة 2014، ها نحن سنودّع السنة الثانية على التوالي على وقع تقدم المغرب المُطّرِد في مواقع دبلوماسية على رقعة الشطرنج الإفريقية. في مقابل ذلك، تتوقع آخر التقارير الصادرة عن مراكز الدراسات الغربية منذ شهر تقريباً، سقوطَ النظام الجزائري في الحالة السوريّة. ويَعضُد هذه التوقعات الفراغ في أعلى هرم السلطة، وحرب المواقع المستعرة بين الجنرالات والقيادات السياسية التي تتّهم بَعضَها البعض بالخيانة والإرهاب كما سأفصّل ذلك لاحقاً

ولا بأس أن نفكك بعضاً من شِفْرة الحياد الجزائري المزعوم من خلال استعراض أهم الهجمات الجزائرية على المغرب خلال شهر واحد أو يزيد قليلاً. والبداية من افتعال الأزمة بين المغرب ومصر في مستهل أكتوبر، وما رافقها من إرسال شحنة “مجانية” من 30 ألف طن من الغاز الجزائري لدعم نظام الجنرال السيسي في أزمته مقابل السماح “لجمهورية تندوف” الوهمية بالمشاركة في اجتماع البرلمان الإفريقي

تلا ذلك استفزاز جزائري للمغرب في جنيف خلال انعقاد الاتحاد البرلماني الدولي أواخر أكتوبر، وقبل ذلك خطاب معادي للمغرب أواسط سبتمبر في نيويورك، خلال انعقاد جمعية الأمم المتحدة واللجنة الرابعة كما أسلفت. دون أن نُغفِل المناورات على جبهات أخرى ومنها الأحزاب الشعبوية أو اليسارية الصاعدة في أوربا مثل “بوديموس” الإسباني، والمواقع التقليدية في أمريكا اللاتنية، والاتحاد الإفريقي الذي جعلت منه السيدة ضلاميني زوما رهينةً للنظام الجزائري وأجندته الانفصالية

ولكشف الوجه الحقيقي للنظام الجزائري وما يشكله من خطر حقيقي على الأمن والسلم في المنطقة المغاربية والساحل والصحراء، واستعدادَ جنرالات “نادي الصنوبر” التحالف مع الشيطان من أجل ضرب استقرار المغرب وتفتيت وحدته، سأكتفي في هذا المقال بسرد ثلاثة قرائن ترقى في نظري إلى درجة الأدلة الدامغة في صك الإدانة هذا

القرينة الأولى، هي من تسريبات “ويكي ليكس” عن مراسلات السفارة الأمريكية في الجزائر العاصمة، موجهة إلى وزيرة الخارجية آنذاك هيلاري كلنتون، تخبرها بوجود اتفاقية سرية بين النظام الجزائري وقياديٍّ في تنظيم القاعدة في الغرب الإسلامي هو الجزائري مختار بلمختار. وفحوى هذه الصفقة الإرهابية هي ضرب المصالح المغربية مقابل تغاضي النظام الجزائري عن أنشطة هذا التنظيم الإرهابي في شمال مالي. وقد رصدت السفارة الأمريكية مكالمة بين المخابرات العسكرية الجزائرية وهذا التنظيم، عَقِب “خرق” التنظيم لهذا التفاهم حين نفذ هجوماً مسلحاً على مركب الغاز في عين أمّ الناس على الحدود الليبية سنة 2013، والذي راح ضحيته أزيد من 40 “خبيراً” منهم بريطانيون وأمريكيون. وحسب مصادر السفارة الأمريكية فإن هذه الصفقة تعود إلى أبريل من سنة 2012 حين اختطف تنظيمُ بلمختار القنصلَ الجزائري بمدينة غاو في مالي

القرينة الثانية، جاءت من داخل “الدار” بمعنى أنه “شهد شاهد من أهلها”. وأعني بها إصدار القضاء الجزائري في نونبر 2015 لحكمٍ بخمس سنوات نافذة في حق الجنرال عبد القادر آيت واعراب، المعروف اختصاراً بالجنرال عمّار، في قضية التعاون مع الإرهابيين خلال ما سُمّي بالعُشرية السوداء، وتنفيذ أعمال قتل واختطاف ونسبها للجماعات المتشدّدة، مع إتلاف وثائق سرية تتعلق بهذه العمليات القذرة!علماً أن هذا الجنرال كان هو المسؤول الأول عن “قسم مكافحة الإرهاب”(!). وهذا الحكم القضائي هو اعتراف رسمي بتورط الجيش الجزائري في الأعمال الإرهابية، وهي تهمة ظلّ النظام الجزائري يتبرأ منها بعد انقلابه على صناديق الاقتراع في يناير 1992 وما تلاها من مجازر، كان أشهرها مجزرة “قرية بن طلحة، التي أُبيد خلالها حوالي 200 طفل وامرأة ورجل بالسلاح الأبيض، على بعد عدة أمتار من ثكنة عسكرية في ضواحي العاصمة

أما القرينة الثالثة والأخيرة، فهي ما جاء على لسان رئيس الحزب الحاكم حالياً في الجزائر، السيد عمار سعداني قبل تقديم استقالته منذ بضعة أيام. وكان قد اتَّهَم في مؤتمر صحافي، حضره نصف أعضاء الحكومة الجزائرية الحالية، “الجنرال توفيق”، رئيس المخابرات العسكرية سابقاً، بِضُلُوعه في مقتل 500 جزائري في أحداث 1988 من جهة، وفي أحداث العنف الطائفي والعرقي التي كانت مدينة غرداية، 600 كلم جنوب العاصمة، مسرحاً لها سنوات 2012 و2014 و2015 من جهة أخرى. وقد راح ضحية هذه الأحداث الطائفية ما يزيد عن 25 قتيلاً خلال شهر واحد فقط سنة 2015. ناهيك عن إحراقٌ بساتين وبيوت ومتاجر الأقلية “المزابية”، بل وصل الأمر إلى تدنيس مقابرهم والزّج بأبناء هذه الطائفة في غياهب السجون الجزائرية مع صمت مُطبق للمنظمات الحقوقية الدولية

إن هذه الأدلة والشهادات من القيادات السياسية والعسكرية الجزائرية، لا تدع مجالاً للشك حول تواطؤ النظام مع الجماعات الإرهابية، وتورطه في عقد الصفقات معها لضرب مصالح المغرب، بل وتنفيذ أعمال إرهابية وطائفية ضد أبناء الشعب الجزائري نفسِه الذي يطالب بالحرية والديمقراطية، وضدّ “الأقليات” التي تطالب بحقوقها وتقرير مصيرها. ويبدو أنّ هذا النظام يقوم باستكمال الدور القذر للاستعمار الأوربي الذي قسم بلادنا وفرق شعوبنا شَذَر مَذَر. ولا شك أن سلوك النظام الجزائري الحالي، عن وعي أو غير وعي، يتقاطع مع مخططات الفوضى الخلاقة لإدخال ما تبقى من البلدان المغاربية في أتون الدمار الشامل الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط. فمن يهدد الأمن والسلم إذن !؟ الجواب ما أنْشَده أبو الطيب المتنبي: وَلَيسَ يَصِحّ في الأفهامِ شيءٌ إذا احتَاجَ النّهارُ إلى دَليلِ

بقي أن ننبه إلى أنّ النظام الجزائري يُلوّح بورقة الحرب لتحقيق هدفين اثنين على الأقل: الأول استراتيجي، ويتعلق بالضغط على مجلس الأمن من أجل استئناف المفاوضات المتوقفة، لأنها الوسيلة الوحيدة لبعث الروح في كيان تندوف المحتضر وإبقاء شمعة الانفصال متقدة. كما أنه يُسابق الزمن وما سيحدث من تغييرات ثلاثية الأبعاد في الاتحاد لإفريقي والأمانة العامة للأمم المتحدة ورئاسة الولايات المتحدة. ولذلك على المغرب أن يستعيد هذا السلاح ويستعمله كورقة للضغط على الأمم المتحدة لتحميل الجزائر كامل المسؤولية عن أي حرب لن تكون إلاّ إقليمية شاملة، وليس مع الانفصاليين فحسب كما تحاول الجزائر الترويج له. أمّا الهدف الثاني فهو تكتيكي، ويحاول النظام الجزائري من ورائه التغطية على خرق وقف إطلاق النار في المنطقة العازلة وتحويلها إلى ما يسميه “مناطق محررة”، وهي مسألة جديّة تستوجب التعامل معها بحزم قبل فوات الأوان

(7)



Laissez un commentaire